دكتور عبد العزيز الدوري

74

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

خاصة ، فالأول لم يكن سفيانيا ، والثاني كان مروانيا ولكنه لم يكن من الفرع الحاكم ، فهو ليس من أولاد عبد الملك ، بل ابن أخيه محمد . ( 2 ) المبدأ الإسلامي ، وهو ينسب السلطة للّه وليس لفرد أن يتصرف بها حسب إرادته . بدأ المبدأ بالاستناد إلى فكرة الانتخاب من قبل الأمة ، وهذه تمثل بإجماعها المشيئة الإلهية ، ولكنه انتخاب محصور عمليا في قريش ، ومحدود بصورة عامة ب « المدينة » . ولقد ظهر لدى البعض ( الخوارج ) في الانتخاب المطلق الذي يعتبر كل عربي ( وبعد فترة كل مسلم ) قابلا للانتخاب ، إذا توفرت لديه الصفات اللازمة . وتطور لدى آخرين ( الشيعة ) إلى فكرة تعارض الانتخاب ولا ترى إمكانه ، ونقول بوجود عائلة مختارة ( آل البيت ) طهّرها اللّه من الرجس وخصها بالولاية . فالخلافة بالنص والتعيين . ( 3 ) مبدأ الوراثة الذي أدخله معاوية بن أبي سفيان ، وبموجبه جاء يزيد الأول ومعاوية الثاني وأكثر الخلفاء الأمويين . إن وجود المبادئ الثلاثة هذه وأهميتها في الجو السياسي يفسران لنا سبب البيعة لأكثر من واحد في آن واحد . فلم يكن نظام تعدد ولاية العهد مجرد رغبة شخصية ولا كان خطأ كما يتصور دائما ، وإنما كان ضرورة سياسية يقتضيها حرص المروانيين على عدم خروج الحكم من بينهم بعد أن اتعظوا بما حلّ بالسفيانيين ، فهم لا يريدون انتقال الخلافة إلى فرع آخر أو جماعة أخرى . كما أن رغبة الأمويين وأهل الشام عامة في أن تبقى الخلافة أموية كانت واضحة في العصر الأموي ، ولا سيما في الفترة التي تلت وفاة معاوية الثاني . ومن ناحية أخرى نلاحظ انتشار المبادئ الإسلامية وتوسع أثرها بالتدريج . وهذا منتظر لأنها تمثل قوة النمو والحركة في الدولة العربية . ويمكننا ملاحظة أثرها في عدة نواح . فالإسلام انتشر تدريجيا انتشارا محسوسا بين الشعوب المغلوبة ، لأنه رمز المساواة الاجتماعية ( نظريا على الأقل ) ورمز التحرر من ضغط الأمويين بنظر بعضهم ، أو لأنه أسمى في مثله ومبادئه من غيره بنظر آخرين ، أو لأنه رمز النفوذ والسلطان والجاه بنظر فريق ثالث . يضاف إلى ذلك حماس الفقهاء والعلماء لهداية الآخرين . وتستر بعض الناس به ، ليخفوا ميولهم الحقيقية كما فعل الغلاة .